تحليل.. الأسواق العالمية تخرج عن كلاسكيات الماضي بـ”نمو بلا تضخم”

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: الفترة التي تشهد نمواً اقتصادياً معتدلاً جنباً إلى جنب مع معدل التضخم عند مستويات منخفضة تتزامن مع أداء ذات طابع خاص بالنسبة لأسواق الأسهم والسندات.

ومع وصول وول ستريت إلى أعلى مستوياتها على الإطلاق ومن المؤكد أن الاقتصاد الأمريكي يستعد لتسجيل رقماً قياسياً جديداً في الشهر المقبل، يبدو أن وقتاً طويلاً قد مر منذ الإحباط الذي أصاب الأسواق العالمية في نهاية العام الماضي.

كما أن المخاوف من حدوث ركود اقتصادي تم دحضها بالكامل، والمستثمرون الذين تشاركوا في وجهة النظر القائلة بأن الأسواق كانت تمر بنوبة من الذعر اللاعقلاني، تمتعوا بأقوى بداية منذ عام 1998.

ويشرح كبير الاقتصاديين والرئيس المشارك في شركة الأبحاث جافيكال دراجونوميكس “أناتول كاليتسكي” خلال رؤية تحليلة نشرها وقع “بروجيكيت سينديكيت” أداء أسواق الأصول الخطرة وكذلك ذات العائد الثابت في فترات تشهد نمواً اقتصادياً معتدلاً.

ومن السهل تفسير سلوك الهبوط والصعود المفاجئ في السوق، حيث كان المستثمرون قلقون بشكل واضح في العام الماضي إزاء 4 مخاطر: التشديد النقدي المفرط في الولايات المتحدة وتصعيد النزاع التجاري بين الولايات المتحدة والصين وقفزة أسعار النفط (احتمالية العودة إلى مستوى 100 دولار للبرميل أو أكثر) وأزمة أخرى بمنطقة اليورو جراء الائتلاف الشعبوي غير المسبوق الذي نشأ جراء الانتخابات الإيطالية.

ولكن بحلول نهاية ذاك العام كانت كل هذه المخاطر قد تراجعت، حيث نفذ الفيدرالي تحولاً حذراً في سياسته كما تحركت الحرب التجارية بين واشنطن وبكين نحو الهدنة، إضافة إلى انخفاض أسعار الوقود وتم كذلك حل الخلاف المالي القائم بين إيطاليا والمفوضية الأوروبية في هدنة مقبولة.

ومع تراجع كل هذه المخاوف، فإن الارتفاع المفاجئ في أسعار الأسهم اعتباراً من شهر يناير وما بعده كان منطقياً بل وقابل للتنبؤ.

والسؤال الآن؛ هو ما إذا كانت هذه الطفرة ستؤدي إلى استئناف السوق الصاعد أم أنه سيكون بمثابة وضع مؤقت من النشاط.

ويرى الكاتب أن سوق الثيران (أو السوق الصاعد) سوف تستمر على الرغم من حقيقة أنها حطمت بالفعل الأرقام الأطول في تاريخها.

كما أن النمو الاقتصادي الأمريكي سوف يكسر حاجز الأرقام التاريخية المسجلة عندما يدخل عامه الـ11 في يونيو المقبل.

والسبب الأساسي وراء ذلك هو أن مزيج من معدل التضخم المنخفض للغاية والنشاط الاقتصادي القوي الذي اتسم به الاقتصاد العالمي منذ الأزمة المالية في عام 2008 لا يظهر أيّ علامة على نهايته.

وربما تبدو هذه النظرة المستقبلية الإيجابية متناقضة مع مفهومين سيطرا على التعليقات الاقتصادية منذ الأزمة المالية: الركود طويل الآجل والواقع الجديد من انكماش الأسعار، ولقد ثبت أن كلا المفهومين كان مضللان ويشوبهما نوعاً من التشويش.

وببساطة، ينظر إلى الركود الاقتصادي طويل الآجل باعتباره وصفاً للنشاط الاقتصادي العالمي، على أنه مفهوم خاطئ.

وبلغ متوسط النمو الاقتصادي العالمي 3.7% منذ نهاية فترة الكساد في منتصف عام 2009، والذي يُعد في الواقع أسرع قليلاً من متوسط الثلاثين عاماً المنتهية في 2008 والبالغة 3.6%.

ولم يسجل النمو الاقتصادي العالمي مستوى أقل من 3% في أيّ عام من ذاك العقد.

والسؤال؛ كيف حدث ذلك بالنظر إلى تباطؤ النمو في أوروبا والولايات المتحدة والصين منذ الأزمة؟، التفسير يكمن في مسألة حسابية بسيطة: تشكل الصين والاقتصاديات الناشئة الأخرى حالياً حصة أكبر بكثير من الاقتصاد العالمي مقارنة مع العقود السابقة.

وتخلق الهيمنة المتزايدة لتلك الاقتصاديات تأثيراً أساسياً يفوق التباطؤ في معدلات نموهم الوطنية.

وعلى سبيل المثال، فإن نمو اقتصاد الصين خلال العام الماضي والبالغ 6.5% من اقتصاد يبلغ حجمه 14 تريليون دولار ساهم بنحو الضعف في زيادة الناتج المحلي الإجمالي العالمي مقارنة مع مساهمته في عام 2007 عندما نما اقتصادها بنسبة 14% باقتصاد قيمته 3.5 تريليون دولار.

وهذا الحساب ليس مجرد إشكالية إحصائية غريبة، حيث انعكس النمو الاقتصادي القوي والمطرد في الطلب العالمي المتزايد على السلع والطاقة والبضائع والخدمات الحقيقية، والذي بدوره تم ترجمته إلى أرباح متنامية قوية ومطردة بالنسبة للشركات.

وعلى الجانب الآخر، فإن مفهوم الواقع الجديد من انكماش الأسعار هو مفهوم صحيح تماماً إذا ركزنا على التضخم بدلاً من النمو الاقتصادي.

وفي الدول الأعضاء بمنظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، فإن متوسط معدل التضخم تراجع من المتوسط البالغ 6.2% في الثلاثين عاماً المنتهية في عام 2007 إلى 1.9% فقط منذ عام 2008.

وفي وول ستريت، يُطلق على الجمع بين النمو الاقتصادي المعتدل والتضخم المنخفض للغاية “جولدي لوكس إيكونوميك” أو الأداء الاقتصادي الإيجابي المناسب (الاقتصاد المعتدل).

ويسمى هذا الموقف الاقتصادي اقتباساً من قصة أطفال تدعى (جولديلوكس والدببة الثلاثة) والتي تحكي عن فتاة ترغب في أن تكون وجبة الفطور الخاصة بها ليست ساخنة للغاية وليست باردة للغاية.

لكن هناك سمة هامة للاقتصاد المعتدل يُساء فهمها على نطاق واسع من قبل المستثمرين والاقتصاديين وحتى محافظي البنوك المركزية، وهي التناقض الواضح بين ارتفاع أسعار الأسهم والذي يبدو أنه يتوقع نشاطاً اقتصادياً قوياً وبين هبوط عوائد السندات والذي يبدو أنه يتوقع ركود اقتصادي عالمي أو الركود طويل الآجل.

ويبدو أن معظم الاقتصاديين يعتقدون أن أسواق الأسهم متفائلة وخاطئة بشكل مفرط، في حين أن أسواق السندات تعلم شيئاً ما مزعجاً حول المستقبل وأنها صحيحة، فيما يجادل آخرون بالعكس.

لكن ما يفتقده كلا الطرفين هو أنه في عالم يشهد استمرار النمو الاقتصادي المعتدل ومعدل التضخم عند مستويات منخفضة باستمرار، فإن أسواق الأسهم التي تبدو متفائلة وأسواق السندات التي تبدو متشائمة لا ترسل إشارات متناقضة.

والواقع أن أسعار الأسهم المرتفعة للغاية وعوائد السندات المنخفضة تقدم ببساطة رسائل حول قضايا مختلفة تماماً.

وتكون أسعار الأسهم مدفوعة بآفاق النشاط الاقتصادي الحقيقي (أيّ بعد استبعاد أثر التضخم) إضافة إلى أرباح الشركات المتوقعة التي ستنتج عن هذا النشاط.

في حين أن أسعار السندات يحركها التوقعات المستقبلية بشأن التضخم ومعدلات الفائدة المتوقعة التي ستنتج عنه.

وفي عالم ما قبل الأزمة، فإن النمو الاقتصادي القوي كان يعني معدل تضخم مرتفع وبالتالي معدلات فائدة مرتفعة.

لكن خلال العقد الماضي، فإن الروابط بين النشاط الاقتصادي والتضخم والسياسة النقدية التي كانت تُعد بمثابة مسألة مفروغ منها في فترة الثمانينيات والتسعينيات تعرضت للانهيار تماماً.

وكانت العقيدة السائدة في فترة ما قبل الأزمة والتي كانت تقول إن “التضخم دائماً وفي كل مكان عبارة عن ظاهرة نقدية” تحولت إلى “مجرد هراء” على الأقل بالنسبة للدول المتقدمة، حيث قامت البنوك المركزية بطبع أموال بشكل ضخم دون أيّ استجابة تضخمية.

ويمكن إرجاع مسألة انهيار الروابط القديمة بين النمو الاقتصادي والتضخم إلى العولمة أو التكنولوجيا أو التركيبة السكانية أو ضعف العمالة المنظمة أو لأسباب أخرى.

ولكن أياً كانت الأسباب فإن العواقب المترتبة على الأسواق المالية يجب أن تكون واضحة الآن.

وحتى يتعرض مزيج النمو الاقتصادي المطرد ومعدل التضخم المنخفض إلى اضطرابات حادة، فإن أسعار الأصول ستظل أعلى بكثير كما أن عوائد السندات ستكون أقل بكثير مما يعتبره تحليل فترة ما قبل الأزمة مستويات طبيعية.

وعاجلاً أم آجلاً، فإن حدوث صدمة سياسية ما سيؤدي بدون شك إلى إحداث خلل في التوازن الجيد للنمو الاقتصادي العالمي القوي ومعدل التضخم المنخفض كما كادت تفعل الحروب التجارية للرئيس الأمريكي دونالد ترامب والعقوبات النفطية في العام الماضي.

لكن حتى وقوع مثل هذه الصدمة بشكل فعلي، فإنه يمكن للمستثمرين الاسترخاء والاستمتاع بالوضع الحالي في الأسواق.

loadDfpAd(‘/49151695/mubasher.info-desktop-arabic/ROS/Teads-Outstream’, [[1,1]], ‘div-gpt-ad-2877446-1’);
<!–
–>
<!–
–>
loadDfpAd(‘/49151695/mubasher.info-desktop-english/News’, [[300,250],[300,600]], ‘div-gpt-ad-5916306-1’, false);
مساحة اعلانية