خطة برادي.. ما هو دور صندوق النقد لحل أزمات الديون؟

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: حلت في شهر مارس/آذار الماضي الذكرى السنوية رقم 30 لإعلان “خطة برادي”، والتي تم تدشينها رداً على أزمة ديون أمريكا اللاتينية في فترة الثمانينات.

ويناقش تقرير نشرته مدونة صندوق النقد الدولي خطة برادي والتي سُميت على اسم وزير الخزانة الأمريكي نيكولاس برادي، بعد مرور نحو ثلاثة عقود.

وسمحت تلك الخطة للدول القيام بتبادل قروض البنوك التجارية مقابل السندات المدعومة من وزارة الخزانة الأمريكية.

وتسببت هذه الخطوة في وضع نهاية لفترة مضطربة كانت تهدد بعواقب وخيمة محتملة على النظام المصرفي العالمي في ذلك الوقت.

ووافقت البنوك آنذاك على تقديم تخفيف مطلوب لأعباء الديون، ليبلغ متوسط وتيرة شطب قيمة الديون 35 بالمئة، في مقابل الأدوات القابلة للتداول والخالية من المخاطر.

ولعب صندوق النقد الدولي دوراً حاسماً بما يتماشى مع سلطته في مساعدة الدول الأعضاء على حل مشاكل ميزان المدفوعات الخاصة بهم واستعادة القدرة على الاستمرار.

ولا يقتصر دور الصندوق الدولي في الإشراف على خطط الدول الخاصة بالإصلاح الاقتصادي وتوفير التمويل لإعادة شراء الديون والمدفوعات المضمونة في السندات التي يتم تبادلها.

لكنه يوفر كذلك منتدى لإجراء مفاوضات بين الجهات الدائنة والمدينة إلى جانب تحفيز التنسيق بين الدائنين بشكل أفضل من خلال إحداث تغييراً في سياساته الخاصة.

وقبل خطة برادي، كان يمكن لأيّ دائن خاص أن يعطل تمويل صندوق النقد من خلال رفض إعادة الهيكلة.

لكن هذا الوضع قد تغير مع تبني الصندوق لسياسة “الإقراض رغم التخلف عن السداد” في عام 1989، والتي بموجبها يمكن أن يتم إقراض دولة ما عليها متأخرات تمويلية من دائني القطاع الخاص طالما كان المدين في حالة تفاوض مع الدائنين بحسن نية.

ولقد غيرت صفقات برادي مشهد التمويل السيادي بطريقتين أساسيتين إلى الأبد.

الطريقة الأولى، أصبحت السندات السيادية والتي يتم الاحتفاظ بها بشكل مباشر أو غير مباشر من قبل مجموعة متنوعة من آلاف الدائنين المحتملين، أداة التمويل المفضلة بالنسبة للدول؛ لتحل بذلك محل الكثير من قروض البنوك السيادية.

والطريقة الثانية، تولي القطاع الرسمي دوراَ رئيسياً في إعادة هيكلة الديون السيادية.

وترك هذا التحول تحديات جديدة أمام صندوق النقد، ما تطلب تبني سياسات الصندوق من أجل تلبية الاحتياجيات المتنامية لعضويته.

التنسيق بين الدائنين

أولاً، مع وجود قاعدة كبيرة ومتنوعة من الدائنين على نحو متزايد، فإن التنسيق بين الدائنين بات أمر أكثر صعوبة، حيث أن حملة السندات الأفراد يتمتعون بخيار رفض اتفاقية إعادة الهيكلة والمطالبة بالسداد الكامل للدين، وهو وضع اختياري أساساً لتخفيف أعباء الديون من قبل الآخرين.

وفي البداية، قام صندوق النقد بالنظر في نهج تشريعي على غرار نظام إفلاس الشركات أو “إس.دي.أر.إم” لمعالجة هذه المشكلة لكنه في النهاية دعم النهج القائم على السوق في عام 2003 عبر إقرار بنود العمل الجماعي “سي.إيه.سي.إس”.

وتسمح مثل هذه البنود للأغلبية المؤهلة من حملة السندات بالموافقة على شروط إعادة هيكلة الديون ولديهم نفس التغييرات من حيث الشروط المفروضة على كافة حملة السندات من نفس الفئة.

وفي عام 2014، أقر صندوق النقد السمات الرئيسية لنسخة منقحة من “سي.إيه.سي.إس” والتي تسمح للأغلبية المؤهلة من حاملي السندات في كافة السندات بإلزام الأقلية بالاتفاق، وهذا هو معيار السوق المستخدم الآن.

مستويات الديون المتنامية وزيادة الترابط في السوق

ثانياً، مع زيادة مستويات الديون بشكل كبير، حيث تمثل حالياً نحو 225 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي العالمي، وزيادرة الترابط في الأسواق، يمكن أن تؤدي الصعوبات السيادية في إعادة تمويل الديون المستحقة إلى خلق أزمات ديون سيادية.

وفي الغالب يتدخل صندوق النقد في مثل هذه اللحظات بالتمويل، ومع ذلك فإن الدعم يخاطر بخلق “مخاطر أخلاقية” إذا توقع الدائنون أن الصندوق سيقوم بإنقاذهم وبالتالي سيكون دافعاً لهم للمخاطرة بدرجة أكبر.

واستجاب الصندوق الدولي إلى هذا القلق في أوائل العقد الأول من القرن العشرين عبر الاعتراف بأن هناك ظروف حيث يجب أن يسهم القطاع الخاص في تمويل برامج الإصلاح الاقتصادي للدول.

كما قام بتنقيح سياسات الإقراض الخاصة به كي تتطلب احتمالية مرتفعة بأن يكون الدين مستداماً (القدرة على الوفاء بالدين وفوائده) كلما كان هناك حاجة إلى تمويل ضخم وإلا ستكون عملية إعادة هيكلة حادة ضرورية.

وعندما حدثت أزمة منطقة اليورو، فإن هذا الوضع أثبت أنه صارم للغاية.

كما تسببت المخاوف من أن تؤدي عملية إعادة هيكلة للديون في اليونان إلى تقويض ثقة السوق في أماكن أخرى بمنطقة اليورو، في إدخال الإعفاء النظامي خلال عام 2010.

وسمح هذا الإعفاء للإقراض بالمضي قدماً في الحالات التي اعتبر خلالها الدين قابلاً للاستدامة لكن ليس باحتمالية كبيرة، كما كان هناك خطر كبير من الآثار الجانبية.

ورغم ذلك، ومع بقاء الدين العام لليونان مرتفعاً للغاية، فإنه بحلول عام 2012 أصبحت عملية إعادة هيكلة الديون الخاصة أمراً حتمياً.

وعلى خلفية هذه التجربة، فإن صندوق النقد قام في عام 2016 بتعديل إطار الإقراض الخاص به من أجل إزالة الإعفاء النظامي وإدخال المزيد من المرونة للمساعدة في الحفاظ على التمويل من الدائنين من القطاع الخاص في المواقف التي يكون خلالها الدين مستداماً ولكن ليس باحتمالية كبيرة.

كما يستعرض الصندوق إطاره التحليلي بشأن تحليل الديون المستدامة بالنسبة للدول التي لديها إمكانية الوصول إلى الأسواق، من أجل تعزيز تقييمه إزاء قدرة الدول في المستقبل على سداد الديون.

ومن شأن ذلك أن يساعد في تعديل التوقيت والشروط التي تكون عندها عملية إعادة هيكلة الديون أمراً ضرورياً لضمان الاستدامة في سياق تمويل صندوق النقد.

تمويل القطاع الرسمي

ثالثاً، يتم توفير حصة متزايدة من تمويل القطاع الرسمي الآن من قبل الدائنين غير التقليدين في الأسواق الناشئة.

وشكل هذا الأمر تحديات أمام سياسة صندوق النقد بشأن المتأخرات الرسمية والتي ترتبط مباشرة بنادي باريس، وهو آلية التنسيق طويلة الأمد للدائنين الرسميين التقليديين.

وفي عام 2015، قام صندوق النقد بتعديل هذه السياسة من أجل إزالة الرابط مع نادي باريس، حيث أن مشاركة هذه المجموعة في تمويل البرنامج أصبحت لا تمثل الغالبية من تمويل القطاع الرسمي.

وتسمح السياسة المعدلة أيضاً لصندوق النقد أن يقوم بإقراض المتأخرات للقطاع الرسمي إذا تم استيفاء شروط معينة بما في ذلك مفاوضات حسنة النية من قبل الجهة المدينة.

شفافية الديون

رابعاً، تتزايد المخاوف المتعلقة بالشفافية، حيث أن شروط وأحكام الاقتراض السيادي خفية عن أعين العامة بشكل متزايد.

بالإضافة إلى أن الدول المقترضة استفادت من أشكال التمويل الجديدة وغير التقليدية مثل شراء السندات من خلال صناديق الثروة السيادية.

ويعمل صندوق النقد على تشجيع الممارسات المطورة لإدارة الديون السيادية والإبلاغ عن البيانات من خلال أعضاؤه ومراجعة سياسة الحد الأقصى للديون بما في ذلك توقعات الديون المضمونة.

ونظراً للتطور السريع للمشهد المالي والتقني اليوم، فمن المستحيل التنبؤ بالتحديات الجديدة في الديون السيادية التي سوف تنشأ خلال فترة الثلاثين عاماً الثانية بعد خطة برادي.

ومع ذلك، يتوقع التقرير أن يستمر مبدأ الاستجابة الدولية المنسقة الذي تمثله خطة برادي في أن يكون أمراً ضرورياً لمنع أزمات الديون السيادية وحلها.

ومن المفترض أن يستمر صندوق النقد في لعب دوراً مركزياً في هذا السياق بالنظر إلى سلطته في التمويل وسوف يتأقلم مع الحقائق الجديدة القائمة على الدروس المستفادة من الماضي.

مساحة اعلانية