أخطاء علم الاقتصاد.. من قال إن السعادة تعني السعي للمنفعة؟

تحرير: سالي إسماعيل

مباشر: تدور غالبية النظرية الاقتصادية الحديثة حول فكرة بسيطة وهي: البشر يقومون بتعظيم المنفعة.

لكن ما هي المنفعة؟، العديد ينظر لها على أنها السعادة أو المتعة، وهي نفس الطريقة التي يفكر بها الفليسوف البريطاني جيرمي بينثام، مخترع مذهب المنفعة العامة.

لكن هذه ليست الطريقة التي يفكر بها الاقتصاديون الذين يتمتعون بآراء عصرية، وفقاً لما كتبه الاقتصادي نوح سميث في رؤية تحليلية نشرتها وكالة بلومبرج أوبينيون الأمريكية.

وبالنسبة للاقتصادي، فإن المنفعة ببساطة تعني مدى رغبة الناس في شيء ما، وإذا لاحظ اقتصادي ما أن الأشخاص يعملون بجد ويقدمون تضحيات لشراء منازل، فإن النتيجة التي يتوصلون لها هي أن تلك المنازل تحمل بالضرورة منافع عديدة لهؤلاء الأشخاص.

ويميل الاقتصاديون المعاصرون إلى افتراض أن المنفعة هي أمر جيد، بحيث أن الأشخاص يجب أن يحصلوا على ما يريدون.

وعندما يتحدث الاقتصاديون عن فكرة فائض المستهلك (الفرق بين ما يدفعه المستهلك للحصول على سلعة وبين ما هو مستعد لدفعه)، فإنهم يقصدون المنفعة التي يستمدها المستهلكون من الحصول على صفقة جيدة بشأن السلع الاستهلاكية.

أما الرفاهية الاقتصادية والتي تتعامل مع مسألة مدى فائدة الاقتصاد للبشرية، غالباً ما تصور الرفاهية الاجتماعية على أنها المدى الذي يلبي خلاله الأشخاص رغباتهم.

في حين سوف يميل الاقتصاديون الأكثر عدلاً إلى تقييم المنفعة للفقراء والمحرومين أكثر من المنفعة للأثرياء، لكن لا يزال الأمر يتعلق في الأساس بشأن منح الأشخاص ما يرغبون فيه.

وبالتأكيد هناك أسباب لانتقاد هذا النهج الفلسفي، أولها أن الناس في بعض الأحيان يتخذون قرارات يندمون عليها لاحقاً.

ويعلم المدخنون أن عليهم الإقلاع عن التدخين على الفور لكنهم يؤجلون هذا القرار ثم بعد سنوات لاحقة ينتهي بهم الأمر وهو يتمنون لو أنهم أظهروا موقف أكثر صرامة قليلاً.

لذلك، هل ينبغي أن يهتم المجتمع بحاضر الناس أم مستقبلهم؟، هذا تساؤل هام للغاية عند مناقشة ما إذا كان سيتم حظر السجائر الإلكترونية مثلاً، كما تفكر حالياً مدينة سان فرانسيسكو في تلك المسألة.

وإذا تسببت شركة صناعة السجائر الإلكترونية “جول لابس” وغيرها من صانعي تلك السجائر المعروفة باسم “فيب”، في دفع الشباب نحو إدمان النيكوتين بطريقة قد تجعلهم يتمنون لاحقاً لو أنهم لم يقوموا بذلك، فقد يكون من المنطقي بالنسبة للحكومة أن تمنع هؤلاء الأشخاص من تلبية رغباتهم.

لكن هناك أسباب أكثر عمقاً للتساؤل عما إذا كان يجب على المجتمع دعم رغبات البشر طوال الوقت.

ويصور مخترع مذهب المنفعة العامة “بينثام”، المجتمع الجيد بأنه هو الذي يجعل أفراده سعداء، لكن ماذا لو كانت رغبات الناس لا تجلب لهم السعادة؟.

ولا يوجد إجماع واضح حول كيفية قياس السعادة، حيث حاول بعض علماء الأعصاب ربطه بوسائل قياس مختلفة لنشاط الدماغ.

لكن يميل الاقتصاديون إلى استخدام طريقة تكون أرخص وأسرع بكثير، وذلك عبر إجراء استطلاعات رأي لسؤال الناس حول مدى سعادتهم.

وأدت أبحاث السعادة إلى بعض الاكتشافات المفاجئة والمثيرة للقلق، حيث يبدو أن الناس يبحثون عن بعض الأشياء التي تجعلهم غير سعداء.

وأحد هذه الأشياء هو موقع فيسبوك والذي يعتبر أكبر شبكة للتواصل الاجتماعي حول العالم حتى الآن.

وفي ورقة بحثية حديثة، فإن الاقتصاديين هنت ألكوت ولوكا براجيري وسارة إيشماير وماثيو جينتزكو أجروا دراسة حول كمية الأموال التي يجب عليهم دفعها لمستخدمي فيسبوك في مقابل دفعهم لوقف استخدام التطبيق لمدة شهر أو شهرين.

ووجد الاقتصاديون أن الوسيط الحسابي كان 100 دولار بينما المتوسط كان 180 دولاراً، والرقم الأخير هو الأكبر لأن بعض المستخدمين يحبون فيسبوك بالفعل (الوسيط هو الرقم الواقع في منتصف كل القيم المذكورة، بينما المتوسط هو حاصل قسمة كل القيم على عددها)

وهذا يشير إلى أن فيسبوك والذي متاح للاستخدام بشكل مجاني يولد كمية ضخمة من المنفعة، أكثر من 370 مليار دولار سنوياً في فائض المستهلك بالولايات المتحدة وحدها.

ويساهم هذا الأمر في تعزيز الحجة التي يعتقد أصحابها أن الخدمات الرقمية المجانية أضافت الكثير من الناتج المحلي الإجمالي غير الخاضع للقياس إلى الاقتصاد العالمي.

لكن ألكوت وآخرون وجدوا كذلك أن الأشخاص الذين يقوموا بإلغاء تفعيل فيسبوك كجزء من التجربة كانوا أكثر سعادة في وقت لاحق، حيث أبلغوا عن مستويات أعلى من الرضا عن الحياة إلى جانب مستويات أقل الاكتئاب والقلق، وكان التغيير متواضع لكنه هام

لماذا يكون الناس على استعداد لدفع الكثير من الأموال في مقابل شيء يقلل من سعادتهم؟، أحد الاحتمالات هو أن وسائل التواصل الاجتماعي تؤدي وظيفة كدواء يسبب الإدمان.

وفي الواقع، فإن الناس الذين دفع لهم ألكوت وآخرون من أجل إلغاء تفعيل الفيسبوك انتهى بهم الحال باستخدام أقل للتطبيق بعد انتهاء التجربة.

ولكن هناك احتمال آخر وهو أن الأشخاص يستخدمون خدمات مثل فيسبوك لأنهم مجبرون بدوافع أخرى غير السعي وراء السعادة.

ومن الأمثلة الأخرى على عدم الترابط بين السعادة والمنفعة ربما يكون وقت الانتقال.

وبشكل مستمر، يجد الاقتصاديون وغيرهم من الباحثين بشأن السعادة أن وقت الانتقال الأطول مرتبط بشعور عدم السعادة، ولكن لا يزال الأشخاص يدفعون الكثير للغاية من أجل العيش في الضواحي البعيدة.

وتوصل الاقتصادي روبرت إتش فرانك إلى أن المنازل الأكبر حجماً التي تصاحبها الحياة في الضواحي لا تعوض أوقات التنقل الطويلة من حيث السعادة.

ولا يعتبر حجم المنزل أو وقت التنقل بمثابة العاملان الوحيدان في اختيار المنطقة التي ستعيش بداخلها لكن قد تكون هذه مسألة أخرى مثل فيسبوك، حيث أن الأشياء التي تجلب المنفعة لا تجلب السعادة.

ويمكن أن يكون هناك عدداً من مثل هذه الحالات، حيث تشير دراسة أعدها الاقتصاديون دانييل بنجامين وأوري هيفيتز ومايلز إس كيمبل وأليكس ريز جونز إلى أنه خلال استطلاعات الرأي عادة يتوقع الناس أن الأشياء التي يقولون إنهم مستعدون لدفع الأموال من أجلها سوف تزيد من سعادتهم ولكن ليس دائماً.

والسؤال ما الذي يجب على المجتمع فعله بشأن عدم الترابط بين المنفعة والسعادة، ويطرح هذا التساؤل القضية الشائكة المتمثلة في ما إذا كان دور الحكومة هو دفع الناس للقيام بأشياء لا يرغبون في القيام بها لمجرد أنهم قد يكونوا أكثر سعادة ننتيجة لذلك.

ومن المحتمل أن يكون اعتماد السياسة على استطلاعات الرأي المتعلقة بالسعادة كذلك بمثابة خطأ إذا كانت تلك الاستطلاعات مقاييس ليست جيدة لرصد السعادة الحقيقية.

ويمكن أن تعكس مثل هذه الاستطلاعات التوقعات الثقافية لما يعتقد الناس أن عليهم قوله أو قد يخسر الناس بشكل تدريجي قدرتهم على قياس مدى السعادة او الحزن الذين هم عليها بالوقت الحالي مقارنة بما كانوا عليه سابقاً.

لكن من غير الحكمة كذلك رفض الربط بين السعادة والمنفعة لمجرد أنه من الصعب قياس السعادة.

وإذا كان الناس يرتكبون أخطاء باستمرار تؤدي إلى مجتمع أقل سعادة، فإن هذه إشكالية ينبغي معالجتها.

مساحة اعلانية