السوق يكشف خطأ أسطورة الامتياز الباهظ للدولار

تحرير: أحمد شوقي

مباشر: هل بالفعل تمثل هيمنة الدولار الأمريكي على النظام المالي العالمي “امتيازاً باهظاً” بالنسبة لباقي الدول ولصالح الولايات المتحدة؟ يشير الواقع إلى أن هذه النظرية قد لا تكون صحيحة تماماً.

وتشير رؤية تحليلية نشرتها صحيفة “فايننشال تايمز” أن الدولار الأمريكي ليس امتيازاً باهظاً، وأن الولايات المتحدة تدفع بالفعل ثمن امتلاكها لعملة الاحتياط الأولى عالمياً.

وفي ظل نظام أسعار الصرف المحددة في اتفاقية “بريتون وودز”، أمضى الأوروبيون عقوداً في الشكوى من الحرية التي تتمتع بها الولايات المتحدة في تسجيل عجز متواصل في ميزان المدفوعات.

وأبدى وزير المالية الفرنسي آنذاك “فاليري جيسكار ديستان” تبرمه من أن واشنطن تتمتع بـ”امتياز باهظ” بفضل دور الدولار الأمريكي كعملة احتياطية رئيسية في العالم ما يمنحها الحرية في الاقتراض وتسجيل عجز تجاري لقدرتها على طباعة الدولار وسداد التزاماتها بأقل تكلفة.

ولكن في مرحلة ما بعد انتهاء اتفاقية “بريتون وودز” تركزت المخاوف أكثر على قدرة الولايات المتحدة على الفوز بميزة تنافسية من خلال تخفيض قيمة الدولار.

وفي الآونة الأخيرة، كان معظم المنتقدين من جانب السياسيين في الأسواق الناشئة ومحافظو البنوك المركزية والذي حذروا من أن تركيز بنك الاحتياطي الفيدرالي على الأولويات المحلية يمكن أن يخلق عدم استقرار في العملة والنظام المالي، خاصة عندما يكون لدى البنوك والشركات في تلك الدول قروض كبيرة مقومة بالدولار.

ومع ذلك، يجب على الحكومات الأجنبية والبنوك المركزية التي تمتلك احتياطيات رسمية في سندات الخزانة الأمريكية أن تقر بحقيقة قوية للغاية وهي أنه حتى بعد الارتفاع الأخير في أسعار السندات والذي يدفع العائدات إلى الهبوط، تقدم الديون الحكومية الأمريكية عائدات مرتفعة أكثر من معظم الحكومات الأخرى في العالم المتقدم باستثناء اليونان.

وتصدم هذه الحقيقة الرأي القائل بأن دور الدولار كعملة احتياط يمنح الولايات المتحدة إمكانية الوصول إلى رأس المال الرخيص بسبب عمليات الشراء الأجنبية الكبيرة لسندات الخزانة.

وفي حال المقارنة بين عوائد السندات الحكومية الأمريكية وباقي الدول المتقدمة، فإن الأول يمنح المستثمرين حول العالم صفقة مميزة بالفعل.

أما بالنسبة لمصدر الاستياء الآخر من الدولار فيما يتعلق برسوم سك العملات -وهو الربح الذي تجنيه الحكومات من الفرق بين قيمة الاسمية للعملة وتكاليف إنتاجها – يُعترف به عموماً على أنه ليس له أهمية.

ولكن السؤال المثير للاهتمام هو إلى متى سوف تستمر الصفقة الرابحة التي يوفرها سوق الخزانة الأمريكي؟ في ضوء التخفيضات الضريبية التي يقوم بها الرئيس الأمريكي دونالد ترامب والحاجة إلى تمويل عجز كبير في الموازنة العامة لسنوات قادمة.

ووفقًا لمعهد التمويل الدولي، فإن الولايات المتحدة تمثل ما يقرب من ثلث ديون الحكومات العالمية البالغة 65 تريليون دولار.

وفي حال وصول الدين إلى 104% من الناتج المحلي الإجمالي مثلما هو الحال في الولايات المتحدة حالياً فإن هذا كان سيمثل أزمة لأي دولة أخرى.

ومع ذلك، لا توجد مشكلة فورية لأن الولايات المتحدة في وضع جيد لدفع معدلات الفائدة على سنداتها الحكومية والتي تقل عن معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي الاسمي.

ويتوقع صندوق النقد الدولي حالياً نموًا حقيقياً للاقتصاد الأمريكي بنسبة 2.3% لعام 2019 إلى جانب تضخم بنسبة 2%، وإذا أخذننا هذه التوقعات معاً، فإن هذه القيمة تزيد بشكل كبير عن معدل الفائدة على السندات الأمريكية والذي يبلغ نحو 2.6%.

ومع افتراض ثبات كل المتغيرات دون تغيير، فإن هذا يفتح المجال أمام احتمال أن تكون الحكومة الأمريكية قادرة على إصدار الديون وتخفيض معدل الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي دون الحاجة إلى زيادة الضرائب في وقت لاحق.

لكن ماذا لو تغيرت تصورات المستثمر؟ لننظر إلى إيطاليا التي تبلغ نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي فيها 132%.

وعلى الرغم من أن ديون إيطاليا الحكومية لمدة 10 سنوات تتيح عوائد أقل من سندات الخزانة الأمريكية، إلا أن معدل الفائدة يفوق معدل النمو للاقتصاد الإيطالي الذي وفقًا لتوقعات صندوق النقد الدولي لعام 2019 يتكون من نمو حقيقي بنسبة 0.1% وتضخم بنسبة 0.8%، مما يضع هذه الدولة في مأزق حقيقي.

وبالطبع الولايات المتحدة ليست إيطاليا، والاعتقاد بأن سندات الخزانة الأمريكية هي الأصول الأكثر أماناً في العالم راسخ بعمق.

كما أن بقاء الدولار كعملة احتياطية أساسية على الرغم من تقلص حصة الولايات المتحدة من الناتج الإجمالي العالمي يعكس السيولة غير العادية لسوق الخزانة ونجاح بنك الاحتياطي الفيدرالي منذ منتصف الثمانينات في إبقاء التضخم تحت السيطرة.

وقدمت الأزمة المالية دليلاً على عمق هذا الاعتقاد في قوة الدولار وفي السندات الحكومية الأمريكية.

فعلى الرغم من حقيقة أن الولايات المتحدة كانت في قلب الصدمة التي شكلت تهديدًا خطيرًا للنظام المالي والاقتصاد العالمي، فقد سعى المستثمرون إلى ضمان السلامة في الدولار وسندات الخزانة كملاذ آمن.

وكان هذا بمثابة مفارقة ساخرة، فالدولة صاحبة عملة الاحتياط الأولى في العالم تم مكافأتها بأموال الأجانب بسبب قيامها بسوء إدارة نظامها المالي والتسبب في الأزمة المالية.

وفي النهاية، تعتبر الشروط المطلوبة لإنشاء عملة الاحتياط العالمية الأبرز متوفرة، فالاقتصاد الأمريكي هو الأكثر حيوية بين الدول المتقدمة الكبيرة، مع وجود البنوك كبرى لديها أفضل رسملة.

 وعندما واجه بنك الاحتياطي الفيدرالي أزمة مالية في الفترة 2008-2009، عمل كمقرض للملاذ الأخير بشكل دولي، حيث قدم الدولار من خلال مقايضات العملة مع البنوك المركزية الأخرى التي يمكن بعد ذلك إقراضها إلى البنوك التي كانت بحاجة ماسة إلى تمويل بالدولار.

ويترتب على ذلك أن امتياز الدولار قد لا يكون باهظاً، لكن في مقابل فإنه لن ينتهي قريباً.

<!–
–>
<!–
–> loadDfpAd(‘/49151695/mubasher.info-desktop-english/News’, [[300,250],[300,600]], ‘div-gpt-ad-5916306-1’, false);
مساحة اعلانية