الاستقطاب .. النتائج والعواقب | صحيفة الاقتصادية


طالما كانت الأزمات العالمية الكبرى هي السبب الفاعل في إنتاج أقطاب سياسية واقتصادية مختلفة، فالحروب العالمية الكبرى بدءا من الحربين الأولى والثانية قادت إلى تشكل الأمم المتحدة، والجامعة العربية، ومؤسسات دولية مختلفة، ثم قادت الأزمات التي جاءت نتيجة أزمة التضخم العالمية منتصف القرن مع حدة الاستقطاب التي أنتجتها الحرب الباردة، إلى نشأة مجموعة 77، ثم قادت التقلبات في أسعار النفط والتحولات التي تسببت فيها الولايات المتحدة عندما انتهى عصر قاعدة الذهب، إلى نشأة مجموعة 24 التابعة لمجموعة 77، ثم جاءت التحديات الاقتصادية بعد الاتحاد السوفياتي لتعيد نشأة الاتحاد الأوروبي ومجموعة الدول الصناعية الكبرى الثمانية التي ضمت روسيا، ثم انتهت لتصبح سبع دول فقط مع استبعاد روسيا، وأعادت الأزمة المالية العالمية في 2008 صياغة مجموعة الدول العشرين ودورها العالمي، وجاءت تحديات الصراع الصيني – الأمريكي في مجموعة بريكس.
إن الأزمات المالية والسياسية عادة ما تعيد شكل المؤسسات الدولية والتحالفات، سواء بإنتاج مؤسسات جديدة، أو إعادة رسم الأدوار من جديد، في هذا الصدد ورغم أن مجموعة 77+ الصين قد أسست في 15 يونيو 1964 من قبل الدول النامية الموقعة على “الإعلان المشترك للدول الـ77 النامية” في جنيف، وتم الاجتماع الوزاري الأول في الجزائر في أكتوبر 1967، وعلى الرغم من زيادة عدد أعضاء المجموعة إلى 134 دولة، مع الاحتفاظ بالاسم الأصلي بسبب أهميته التاريخية، فإن المجموعة اليوم التي تضم دولا نامية وناشئة تمثل 80 في المائة من سكان العالم تجتمع هذا الأسبوع في كوبا، من أجل إعادة رسم دورها العالمي وللترويج لـ”نظام اقتصادي عالمي جديد”، وهذا يأتي في ظل تحذيرات من ازدياد حدة الاستقطاب.
تاريخيا قد أسست مجموعة الـ77 G-77 بهدف أن تكون أكبر منظمة حكومية دولية للدول النامية في الأمم المتحدة، ولتوفر الوسائل لدول الجنوب – وفقا للمجموعة – للتعبير عن مصالحها الاقتصادية الجماعية وتعزيزها وتعزيز قدرتها التفاوضية المشتركة بشأن جميع القضايا الاقتصادية الدولية الرئيسة داخل الأمم المتحدة، وتعزيز التعاون فيما بين دول الجنوب من أجل التنمية.
إن أداء وطرائق عمل مجموعة الـ77 في مختلف الفصول لها بعض السمات المشتركة، مثل: التشابه في العضوية وصنع القرار وأساليب تشغيل معينة، يتم تناوب الرئاسة، وهي أعلى هيئة سياسية ضمن الهيكل التنظيمي لمجموعة الـ77، على أساس إقليمي (بين إفريقيا وآسيا والمحيط الهادئ وأمريكا اللاتينية ومنطقة البحر الكاريبي) وتستمر لمدة عام واحد في جميع الفروع.
وتتولى كوبا حاليا رئاسة مجموعة الـ77 في نيويورك لعام 2023، وقمة الجنوب هي الهيئة العليا لاتخاذ القرار في مجموعة الـ77. وقد انعقدت قمتا الجنوب الأولى والثانية في هافانا، كوبا، في الفترة من العاشر إلى 14 أبريل 2000 وفي الدوحة، قطر، في الفترة من 12 إلى 16 يونيو 2005، وعملا بمبدأ التناوب الجغرافي، من المقرر أن تعقد قمة الجنوب الثالثة في إفريقيا.
لكن رغم قلة القمم لهذه المجموعة مقارنة بغيرها من المجموعات العالمية مثل قمة العشرين وقمة السبع، فإن الاجتماع السنوي لوزراء خارجية مجموعة الـ77 ينعقد كل عام في بداية الدورة العادية للجمعية العامة للأمم المتحدة في نيويورك، تحضيرا لدورات الأونكتاد والمؤتمرات العامة لليونيدو واليونسكو، وقد تتم الدعوة إلى عقد اجتماعات وزارية خاصة بحسب الحاجة.
فمن اللافت أن هناك أيضا مجموعة الـ24 التي تم إنشاؤها رسميا في 1972 كأحد فروع مجموعة G77 من أجل العمل جنبا إلى جنب صندوق النقد الدولي، ولفت الاهتمام الواجب بالدراسات التي عهد بها إلى المديرين التنفيذيين لصندوق النقد الدولي، وإبقاء الدول الأعضاء في مجموعة الـ77 على علم بها، وكذلك تقييم الأحداث في المجال النقدي، وأي قرارات قد تتخذها دولة واحدة أو مجموعة من الدول في إطار صندوق النقد الدولي، فيما يتعلق بمصالح الدول النامية، إضافة إلى الموضوعات التي تدخل في نطاق عمل البنك الدولي.
في ظل هذه التوجهات نحو إعادة تمركز وتموضع مجموعة G77، وكذلك مجموعتها الفرعية G24، فقد قرر أنطونيو جوتيريش الأمين العام للأمم المتحدة أن ينضم إلى الاجتماعات التي سيشارك فيها 30 رئيس دولة وحكومة من إفريقيا وآسيا وأمريكا اللاتينية في إطار القمة التي تستمر يومين في هافانا، ومن المتوقع أن تنتهي الاجتماعات ببيان يصف النظام الدولي بـ”غير المنصف وغير العادل وقائم على النهب بشكل متزايد”، كما سيشير البيان الختامي إلى العقبات العديدة التي تواجه الدول النامية وتتضمن “دعوة إلى تأسيس نظام اقتصادي عالمي جديد”.
ولا شك أن حضور الأمين العام للأمم المتحدة مع إلقائه كلمة تتضمن الإشارة إلى أن “تعدد القمم هذا يعكس ازدياد تعدد الأقطاب في عالمنا”. ومحذرا في الوقت نفسه من أن “تعددية الأقطاب يمكن أن تكون عاملا باتجاه تصعيد التوتر الجيواستراتيجي مع عواقب مأساوية”، وفي مقابل هذ القلق الذي صرح به الأمين العام للأمم المتحدة لفت دياز-كانيل الرئيس الكوبي عبر منصة “إكس” إلى أن المشاركين في قمة كوبا “سيعيدون التأكيد على التزامنا بتعددية الأطراف والتعاون والتنمية”.
و”الاستقطاب العالمي”، كمفهوم يختلف عن التعددية، فهو يشير إلى التفاوت في القوة والتأثير بين الدول والمناطق في العالم.
يمكن أن يتسبب الاستقطاب العالمي في تفاقم الفجوات الاقتصادية والاجتماعية بين الدول القوية والضعيفة، وقد يؤدي إلى تقليل حظوظ الدول النامية في تحقيق التنمية والازدهار ومجالات مثل التجارة الدولية والتنمية الاقتصادية، ما يؤثر سلبا في الدول النامية، لهذا حذر الأمين العالم أن تعدد القمم لن يؤدي في النهاية إلا إلى مزيد من التعثر، وضعف الصوت الدولي، وقد يتيح الاستقطاب العالمي للدول المتقدمة فرصا أكبر لنشر قيمها وثقافتها، ما يمكن أن يؤثر في الهوية الثقافية والسياسية للدول النامية.



Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *